الشنقيطي
422
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد ، قالوا : لأنه اتباع غير العلم . قال مقيده عفا اللّه عنه : لا شك أن التقليد الأعمى الذي ذم اللّه به الكفار في آيات من كتابه تدل هذه الآية وغيرها من الآيات على منعه ، وكفر متبعه ؛ كقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) [ البقرة : 170 ] ، وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) [ المائدة : 104 ] ، وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 21 ) [ لقمان : 21 ] ، وقوله : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 ) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) * قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ [ الزخرف : 21 - 24 ] ، وقوله : قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا [ إبراهيم : 10 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . أما استدلال بعض الظاهرية كابن حزم ومن تبعه بهذه الآية التي نحن بصددها وأمثالها من الآيات - على منع الاجتهاد في الشرع مطلقا ، وتضليل القائل به ، ومنع التقليد من أصله ، فهو من وضع القرآن في غير موضعه ، وتفسيره بغير معناه ، كما هو كثير في الظاهرية ، لأن مشروعية سؤال الجاهل للعالم وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة . ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فيفتيه فيعمل بفتياه ، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين . كما أنه من المعلوم أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب اللّه أو سنة صلى اللّه عليه وسلم . فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في تفهم كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به - لا وجه لمنعه ، وكان جاريا بين أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم ينكره أحد من المسلمين . وسنوضح غاية الإيضاح إن شاء اللّه تعالى « في سورة الأنبياء ، والحشر » مسألة الاجتهاد في الشرع ، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق به بإلحاقه به قياسا كان الإلحاق أو غيره . ونبين أدلة ذلك ، ونوضح رد شبه المخالفين كالظاهرية والنظام ، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات من كتاب اللّه على دعواهم ، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك .
--> - والفرائض حديث 6724 ، ومسلم في البر والصلة والأدب حديث 28 ، وأبو داود في الأدب حديث 4917 ، والترمذي في البر والصلة حديث 1988 ، ومالك في حسن الخلق حديث 15 ، وأحمد في المسند 2 / 312 ، 342 ، 470 ، 482 ، 491 ، 492 ، 505 ، 539 .